أبي حيان الأندلسي

180

البحر المحيط في التفسير

ثم حذرهم عذاب اللّه ، وأبرز ذلك في صورة الخوف لا على سبيل الجزم ، إذ كان راجيا لإيمانهم ، فكان من جوابهم أن قالوا : سَواءٌ عَلَيْنا وعظك وعدمه ، وجعلوا قوله وعظا ، إذ لم يعتقدوا صحة ما جاء به ، وأنه كاذب فيما ادعاه ، وقولهم ذلك على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة بما خوفهم به . وقرأ الجمهور : وعظت ، بإظهار الظاء . وروي عن أبي عمرو ، والكسائي ، وعاصم : إدغام الظاء في التاء . وبالإدغام ، قرأ ابن محيصن ، والأعمش ؛ إلا أن الأعمش زاد ضمير المفعول فقرأ : أوعظتنا . وينبغي أن يكون إخفاء ، لأن الظاء مجهورة مطبقة ، والتاء مهموسة منفتحة ، فالظاء أقوى من التاء ، والإدغام إنما يحسن في المتماثلين ، أو في المتقاربين ، إذا كان الأول أنقص من الثاني . وأما إدغام الأقوى في الأضعف ، فلا يحسن . على أنه قد جاء من ذلك أشياء في القرآن بنقل الثقات ، فوجب قبولها ، وإن كان غيرها هو أفصح وأقيس . وعادل أَ وَعَظْتَ بقوله : أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ، وإن كان قد يعادله : أم لم تعظ . كما قال : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا « 1 » لأجل الفاصلة ، كما عادلت في قوله : سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ « 2 » ، ولم يأت التركيب أم صمتم ، وكثيرا ما يحسن مع الفواصل ما لا يحسن دونه . وقال الزمخشري : بينهما فرق ، يعني بين ما جاء في الآية وهي : أم لم تعظ ، قال : لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ومباشرته ، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك : أم لم تعظ . ولما لم يبالوا بما أمرهم به ، وبما ذكرهم من نعم اللّه وتخويفه الانتقام منهم ، أجابوه بأن قالوا : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ . وقرأ عبد اللّه ، وعلقمة ، والحسن ، وأبو جعفر ، وأبو عمرو ، وابن كثير ، والكسائي : خلق ، بفتح الخاء وسكون اللام ، فهو يحتمل أن يكون المعنى : إن هذا الذي تقوله وتدعيه إلا اختلاق الأولين من الكذبة قبلك ، فأنت على مناهجهم . وروى علقمة عن عبد اللّه : أن هذا إلا اختلاق الأولين . ويحتمل أن يكون المعنى : ما هي البنية التي نحن عليها إلا البنية التي عليها الأولون ، حياة وموت ولا بعث ولا تعذيب . وقرأ باقي السبعة : خلق ، بضمتين ؛ وأبو قلابة ، والأصمعي عن نافع : بضم الخاء وسكون اللام ؛ وتحتمل هذه القراءة ذينك الاحتمالين اللذين في خلق . كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ،

--> ( 1 ) سورة إبراهيم : 14 / 21 . ( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 193 .